تطور استعمال واستغلال الملك الغابوي

بقلم طارق أوشن

ارتبط تطور استغلال الملك الغابوي بجملة من التحولات التي طرأت على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للسكان المجاورين للغابة والمنتفعين منها، وبالنصوص القانونية المنظمة للاستغلال الغابوي وكذا تدخل الإدارة المعنية والتنظيم المجالي للبيئة الغابوية.

ومن أهم الدراسات التي واكبت هـذا التطـور نذكر أولها كتاب L’Economie Forestière Nord-Africaine T.III لبيير بودي الذي خصص حيزا هاما لتتبع مميزات ارتباط السكان بهذا القطاع الحيوي الهام عبر مختلف تشكيلاته البيئية الغابوية وتطور نظم التشريعات المرتبطة به انطلاقا من الخصوصيات التي تميز كل منطقة عن أخرى؛ إذ منذ سنة 1914 تاريخ بداية الإدارة الغابوية بالمغرب تم استصدار قوانين غابوية الهدف منها الحماية وتنظيم الاستعمال والاستغلال، وأهمها:

  • ظهير 10 أكتوبر 1917 المتعلق بالمحافظة واستغلال الغابة؛
  • ظهير 04 شتنبر 1918 المتعلق بالاحتياط الواجب اتخاذه من اجل الوقاية من حرائق الغابات، حيث يمنع استعمال النار على بعد 200 مترا؛
  • ظهير 04 مارس 1925 المتعلق بالمحافظة وتحديد غابات أركان، علاوة على القرار الوزاري الذي يكمله والصادر بتاريخ 01 ماي 1938.

إضافة إلى تشريعات أخرى تمس جوانب استعمال الغابة وحمايتها كحقوق الصيد والتشجير، وتنظيم المراعي…

  • القرار الوزاري الصادر بتاريخ 15 يناير1921 والمنظم لاستغلال حق الرعي داخل الغابات؛
  • القرار الوزاري الصادر بتاريخ 16 ابريل 1946 الخاص بتهيئة المراعي داخل التشكيلات الغابوية؛
  • المرسوم الوزاري الصادر بتاريخ 06 يونيو 1959 المحدد لتشكيلة وضوابط اشتغال اللجنة التي تبث في تفويت واستخراج أراضي تابعة للملك الغابوي؛
  • القرار الوزاري الصادر بتاريخ 14 نونبر 1949 المحدد لكيفية إخضاع غابات وأراضي غير تابعة للنظام الغابوي؛
  • الظهير الشريف المؤرخ في 11 شتنبر 1934 المتعلق بخلق منتزهات وطنية؛
  • الظهير الشريف بتاريخ 21 يوليوز 1923 الخاص بالقنص، والقرار الوزاري بتاريخ 03 نونبر 1962 المتعلق بالمحافظة على الوحيش والأصناف القليلة والمهمة؛
  • كناش التحملات العامة الصادر بتاريخ 21 أكتوبر 1948 والخاص بالاحتلال المؤقت للملك الغابوي.

وواكب عمليات تحديد الملك الغابوي إحداث منظومة من القوانين الغابوية توفر للسكان المحليين المستغلين حقوقا معترف بها، وتمكنهم من الاستغلال الفلاحي والحفاظ على التوازن الطبيعي للغابات. وتجدر الإشارة إلى أن غابة أدمين المتواجدة بالنفوذ الترابي لعمالة إنزكان أيت ملول قد تم تحديدها إداريا ونهائيا بتاريخ 02 مارس 1931(الجريدة الرسمية عدد 961 بتاريخ 27 مارس (1931 .

وفي فترة الاستقلال ومع ازدياد وثيرة التعمير بالمدن والقرى، وكذا الضغط الذي يتزايد على الغابة ارتأى المشرع تحسين النصوص القانونية المنظمة لاستغلال الغابة، وذلك على مستويات متعددة أهمها:

  • التنظيم المجالي والترابي: حيث تم بفضل التقسيم الترابي للجماعات المحلية توفير إمكانية أفضل للاستغلال والتنمية؛
  • مساهمة السكان في الاقتصاد الغابوي عبر إشراك جماعاتهم المحلية في بلورة الحلول الموضوعية لاستغلال واستعمال الملك الغابوي، اعتبارا للصلاحيات الواردة في ظهير 20 شتنبر 1976 المتعلق بمساهمة السكان في الاقتصاد الغابوي. وتتوزع المساحة المخصصة للتفليح حسب الجماعات والغابات.

وتميزت هذه المرحلة بالنمو الديموغرافي السريع وبالحركة الاقتصادية النشيطة بالمنطقة؛ حيث ازداد الطلب على أراضي الملك الغابوي على كل المستويات خاصة في مجالات التعمير والفلاحة والاستثمارات، إضافة إلى الضغوط الممارسة عليه من طرف الفلاحين المستغلين، حيث نجم عن ذلك ضرورة الموازنة بين الحفاظ على الملك الغابوي وبين الدفع بالتنمية إلى الأمام، وكمثال على ذلك ارتفاع المساحة المخصـصة التفليح (إحصائيات سنة 2000) إلى مستوى 1.608 هكتار، وذلك مع ازدياد إنتاج الخضروات من طرف المنعشين الفلاحين منذ سنة 1980:

كما أن الفلاحة المسقية (في إطار كناش التحملات العامة الذي أصدرته وزارة الفلاحة بتاريخ 20 يوليوز 1983 و16 يناير 2001)، قد عرفت ارتفاعا ملحوظا؛ حيث وصلت 107 هكتار بالنسبة للبيوت للمغطاة، و1303 هكتارا بالنسبة للغير المغطاة. وكمثال آخر ارتفعت طلبات استغلال الملك الغابوي في إطار مسطرتي الفصل من النظام الغابوي أو الاحتلال المؤقت الذي تقدمت بها مجموعة من الجماعات الحضرية والقروية من أجل إحداث مشاريع تنموية.

ونخص بالذكر العقارات الغابوية المتواجدة بالمدار الحضري لبلدية أيت ملول ومثيلاتها التي ترغب الجماعات القروية للقليعة والتمسية وأولاد داحو إقامة مشاريع تنموية بها، تنضاف إلى ذلك المشاريع الكبرى المنجزة كمطار المسيرة الدولي والطريق السيار (أكادير– تارودانت). غير أن مجموعة من الأخطار أصبحت تهدد المجال البيئي لشجرة وغابة أركان، والتي تم رصدها انطلاقا من سنة 1980 من طرف مصالح المياه والغابات وهي:

الأخطار الطبيعية: والتي يتسبب فيها الجفاف والتوزيع غير الملائم للتساقطات المطرية، وأصبح الجفاف هيكليا حيث تزداد أثاره مع مرور السنوات.

الأخطار البشرية: كالتفليح غير الملائم داخل الغابة؛ حيث استعمال الآليات وتقنيات ومواد مضرة بشجرة أركان الذي أدى ذلك إلى نزول الفرشة المائية الباطنية إلى أدنى مستوياتها، مما يهدد بنفاذ المياه الجوفية. دون إغفال الآثار السلبية للرعي الجائز: والذي يتجلى في عدم قدرة غابة أدمين على استيعاب قطعان الإبل والماعز، والجني المفرط للثمار للحصول على زيت أركان والاستعمالات الأخرى المرتبطة به، والزحف العمراني غير المخطط في الأملاك الغابوية المجاورة لبعض الدواوير والجماعات الحضرية والقروية (كخلق تجزئات سكنية والترامي عليه) بدون مراعاة تأثير ذلك على البيئة الإيكولوجية لأركان، والاحتلالات غير القانونية للملك الغابوي من خلال مشاريع لا تلائم البيئة المحلية. وعليه يمكن إجمال التأثيرات المباشرة والسلبية في:

  • تقلص كثافة أشجار أركان بفعل كثافة التفليح وقطع الأشجار.
  • ازدياد مخاطر التلوث البيئي والتصحر.

وكنتيجة مباشرة لهذه الوضعية عرفت سنة 2005 عدم الموافقة من طرف إدارة المياه والغابات على طلبات الرخص الجديدة للتفليح في إطار كناش التحملات الخاص بالتفليح، إضافة إلى صعوبة إنجاز العديد من المشاريع التي تقدمت بها بعض الجماعات في إطار مسطرتي الفصل من النظام الغابوي والاحتلال المؤقت لتأثيرها السلبي على كثافة التشكيلات البيئية لغابة أركان من جهة وعدم ملائمة تلك المشاريع مع وثائق التعمير.

كما اقترحت المصالح المختصة العديد من الحلول لاستعمال واستغلال الملك الغابوي من خلال النقط التالية:

  • تقنين التقنيات الفلاحية المستعملة حاليا داخل غابة أركان، وإعادة النظر في تخصيص بعض البقع الهشة لأغراض زراعية عصرية واستعمال الآلات التقليدية؛
  • دفع المستفيدين لغرس شجرة أركان في المناطق المسقية بهدف تكثيف الغطاء النباتي والاستفادة من المياه المستعملة لأغراض زراعية؛
  • تقنين الرعي داخل المجال الغابوي خاصة داخل المناطق المتأثرة من الرعي الجائر وبالاستغلال المكثف لجمع الحطب وتحصيل علف الماشية التقليل من استعمال المواد الغابوية كمصدر للطاقة؛
  • الحد من الزحف العمراني غير المخطط والاقتصار على المناطق المدروسة في إطار تصاميم التهيئة العمرانية؛
  • الحد من استنزاف الموارد الغابوية بإيجاد بدائل أخرى، للحد من إلحاق الخسائر الجسيمة بالنظام البيئي والايكولوجي لأركان؛
  • الحد من حرائق الغابات؛
  • تشديد المراقبة على الاحتلال غير القانوني للملك الغابوي والمتاجرين في مواده؛
  • تكثيف عمليات تشبيب وتخليف المواقع الغابوية المهددة بالانقراض ودعم مقاربة الشراكة مع الساكنة المحلية.

وفي هذا السياق تدخل عمليات التسييج داخل الملك الغابوي والتي انطلقت في إطار الشركات والاتفاقيات المبرمجة من أجل تجديد المحيط البيئي والايكولوجي لغابة أركان منذ سنة 2005، حيث تستفيد الساكنة المنتفعة من تعويض طبقا لمقتضيات قرار السيد الوزير المنتدب لدى وزير الفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات رقم 1855-01 بتاريخ 21 مارس 2002 وقرار السيد الوزير الأول الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5247 بتاريخ 13 شتنبر 2004؛ حيث تم تسييج محيطي أدمين 1 وأدمين 3 الذي تبلغ مساحته حوالي 300 هكتارا وتقدر قيمة المقاصة السنوية ب350 درهم للهكتار، والتي تحول نقدا إلى الحساب البنكي للتعاونية أو جمعية المستعملين المستفيدين، مثل جمعية أدمين للمحافظة على الملك الغابوي وتنظيم استغلاله بدوار عين النخلة بالجماعة القروية لأولاد داحو  ، بالإضافة إلى اتفاقية الشراكة بين المصالح الوصية وبين الشركة المغربية للطرق السيارة بهدف تجديد مساحة 200 هكتارا بغابة ادمين، إضافة إلى إسهامات أخرى منها:

  • إشراك الخواص والمؤسسات والجمعيات في مسلسل تخليف الأركان، كمساهمة شركة SYNGENTA في غرس 10 هكتار.
  • مشروع الأركان بتعاون مع جمعية جهوية في غرس 10 هكتار.
  • برنامج تخليف أركان الممول من طرف شركة الطرق السيارة بالمغرب، والذي يوجد في طور الانجاز (200 هكتار)

المصدر: نشرة إنزكان أيت ملول (العدد السابع -غشت 2007)

 

قد يعجبك ايضا